ابراهيم بن عمر البقاعي
171
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير ، هول أمره مقدما للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه فقال : ذلِكَ أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ جَزَيْناهُمْ بما لنا من العظمة بِما كَفَرُوا أي غطوا الدليل الواضح . ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال ، العريقين في مقارعة الأبطال ، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان ، وقابل الإنعام بالكفران ، لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة ، وكرة في أثر كرة ، أجرى الأمر سبحانه على هذا العرف ، فقال مشيرا إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادّا لغير جزائهم بالنسبة إليه عدما ، تهديدا يصدع القلوب ويردع النفوس ، ويدع الأعناق خاضعة والرؤوس : وَهَلْ يجزى أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما على سبيل المبالغة إِلَّا الْكَفُورَ * أي المبالغ في الكفر ، وقراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم « نجازي » بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب « الكفور » وقال الفراء : المؤمن يجزى ولا يجازى - كأنه يشير إلى أن عقاب المسئ لأجل عمله فهو مفاعلة ، وأما ثواب المطيع فهو فضل من اللّه لا لأجل عمله ، فإن عمله نعمة من اللّه ، وذلك لا ينافي المضاعفة ، قال القشيري : كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال واتصال من التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء أدبا أو يتبع شهوة ، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال ، فلا وقت ولا حال ، ولا طرب ولا وصال ، يظلم عليه النهار ، وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار . ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة ، أتبعه مواضع السكان فقال : وَجَعَلْنا أي بما لنا من العظمة ، ونبه بنزع الجار على عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال : بَيْنَهُمْ أي بين قرى أهل سبأ وَبَيْنَ الْقُرَى أي مدنا كانت أو دونها الَّتِي بارَكْنا أي بركة اعتنينا بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة فِيها أي بأن جعلناها محال العلم والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام قُرىً ظاهِرَةً أي من أرض الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا ، لأن البناء فيها أثبت ، والمشي بها أسهل ، والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها